عفيف الدين التلمساني

195

شرح مواقف النفري

وهؤلاء كلهم عبيد أنفسهم لا يرون إلا الأسماء اعتقادا لا شهودا وهي صفة المحجوب . قوله : ( وقال لي : أزح عللك ترني مستويا لا ريب ) . قلت : إزاحة العلل أن لا تعبده لغرض أصلا . قوله : ( وقال لي : قف بحيث أنت واعرف نفسك ولا تنس خلقك تراني مع كل شيء فإذا رأيته فألق المعية وابق لي فلا أغيب عنك ) . قلت : وقوفه بحيث هو ليس إلا أن يرى نفسه عدما ، ويرى الوجود له تعالى والعدم لا يبق مع الوجود ؛ فلذلك قال له : ألق المعية واللّه الموفق . 21 - موقف ما يبدو قوله : ( أوقفني فيما يبدو فرأيته لا يبدو فيخفى ولا يخفى فيبدو ولا معنى فيكون معنى ) . قلت : معناه أن الباديات صفات لاسمه الظاهر ، والظاهر هو عين الباطن الذي لا يبدو ، فإذن ما بدا هو حقيقة ما لا يبدو ، وهذا إذا عرف شهد ما ظهر أنه من الحق تعالى ، وإن شهد أن الذي يبدو سوى ، فالسوى عدم ، والعدم لا يبدو فيخفى ولا يخفى فيبدو ؛ ولأن هذه صفات الوجود . قوله : ( وقال لي : قف في النار ، فرأيته يعذب بها ورأيتها جنة ، ورأيت ما ينعم به في الجنة هو ما يعذب به في النار ) . قلت : هذا التنزل هو سر عظيم ، وأنا ألوح بمعناه ، اعلم أن المخالف إنما عذبه بتجل من تجلياته لتخليه عن كيفية الخلاف الذي في ذاته وهو الذي كان سبب معصيته أعني السبب القريب في لسان العلم ، فإذا أحاله ينعم بعد فخلود العذاب ليس إلا طوله ، فإذا انتقل إلى النعيم فهو بأن صار ذلك التجلي مناسبا وبه نفسه يصير النعيم . قوله : ( وقال لي : أحد لا يفترق صمد لا ينقسم رحمن هو هو ) . قلت : هذا تكملة لما قبله ، أي الحق واحد فتجليه الذي به يعذب هو بعينه الذي به ينعم وهو هو . والصمد هنا هو الذي لا جوف له أي ظاهره باطنه وباطنه ظاهره ، وذلك هو الرحمن الذي هو هو بكل الاعتبارات .